الجامية المدخلية.. استخبارات سعودية في قالب سلفي

img

في ظل الأحداث الراهنة التي تعيش فيها المجتمعات العربية والإسلامية من انتشار المناهج العلمانية واختلاف الايديولوجيات وبُعد الناس عن دينهم وتأثرهم بالثقافة الغربية، تظافرت جهود المصلحين لتثبيت القيم والتعاليم والاحكام الشرعية الإسلامية والنهوض بالأمة إلى بر الأمان والأخذ بيد الشباب خاصة للسير في المنهج الصحيح بما يحقق لهم السعادة في الدنيا والأخيرة، ويكمن ذلك من خلال اتباع المناهج الإصلاحية المندرجة تحت التعاليم الإسلامية.

لكن هذه الجهود الإصلاحية الكبيرة أضحت تهددها العديد من المخاطر وخاصة المتخفية خلف جلباب التدين، بالدفاع عن المنهج الإصلاحي والغيرة عن الكتاب والسنة، إلا أن هذا الخطر صار له أتباع كثر وبات ينتشر بطريقة عجيبة غريبة لم تعرفها الحركات الإصلاحية الأخرى، ويمكن حصر ذلك في الدعوة السلفية المنبثقة من خلالها ما يعرف حاليا “بالجامية المدخلية” التي تستخدما الأنظمة المستبدة كجهاز استخباراتي بصورة دينية والسيطرة على العقول باستغلال الدين لأغراض سياسية لا علاقة لها بالدين، وهنا نجد أسئلة تُطرح: من هؤلاء ومن يقف خلفهم بالدعم وما هي أصولهم الفكرية وما هي طبيعة علاقتهم مع باقي التيارات الإسلامية الأخرى؟ وهل حقيقة أن الجامية المدخلية جهاز مصغر من الأجهزة المخابراتية أم أنها حركة اصلاحية إسلامية سلفية؟

المدخلية الجامية أو التيار الجامي ما هو إلا تيار محلي داخل الحركات الإسلامية في السعودية أطلقت على فرقة من الفرق السلفية، ينتسبون إلى إمامهم وشيخهم “ربيع المدخلي” أو حركة التجريح نسبة إلى كلمة الجرح ومعناها عند علماء أهل الحديث الطعن في الشخص، نشأة المدخلية الجامية إبان حرب الخليج عام 1990م في المدينة المنورة على يد محمد بن أمان الجامي المدرس في الجامعة الإسلامية في قسم العقيدة والمتوفي سنة 1996م، وشاركه بعد ذلك “الشيخ” ربيع المدخلي المولود بالسعودية عام 1932م والمدرس في كلية الحديث وإليه تنتسب فرقة المداخلة.

عُرفت الجامية المدخلية بقربها الشديد من السلطة والأنظمة الحاكمة، ومعاكستها للحركات الإصلاحية الإسلامية السياسة الأخرى، انتشرت هذه الحركة في السعودية بدعم من الأسرة الحاكمة التي رأت فيها تيارا مناسبا يرفض الخوض في السياسة وهو الشيء الذي ترغب فيه السلطات السعودية من أن تظل هذه الحركات بعيدة عن التداول في المساجد والساحات العامة والجامعات وغير ذلك، وعَرفت توسعا كبيرا بعد ذلك فقد استطاعوا في بداية أمريهم جذب كثير من الشباب واشغالهم بسب وباتهام وأكل لحوم العلماء والدعاة، كما أن الوثائق التي قدمتها مراكز الدراسات الغربية بينت التعاون بين الأجهزة الاستخباراتية وحاملي الفكر المدخلي ودعمهم، إضافة إلى وقفوفهم في وجه الحركات الإسلامية بأكملها وعرقلت طريقهم بشتى الوسائل.

أَسست الحركة المدخلية دعوتها على أصلين أولهما “الطاعة الكاملة لولي الأمر” والتوقف على ظواهر النصوص التي تحث على طاعة ولي الأمر وذلك من خلال فهمهم الخاطئ للآية الكريمة في قوله تعالى “أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ” ويبين ربيع المدخلي في شرحه لأصول السنة على ان المتغلب يجب طاعته حقنا للدماء فإذا تغلب أخر وجبت طاعة المتغلب الجديد، وهذا الأصل عندهم ينزلونه منزلة التقديس حسب تمويل الحاكم. أما الأصل الثاني فهو الطعن في المخالفين وتبديعهم، فالشيخ ربيع المدخلي يرى أن “الإخوان المسلمين” قد نقضوا أصول الإسلام كلها، كما يرى أن ممارستهم الدعوية والسياسية بدعة منكرة، ويُعتبر هاذين الأصلين هما عمود الحركة وركائزها.

ومن المؤاخذات التي تؤاخذ عليها الحركة الجامية المدخلية تقربها من السلطات والأنظمة المستبدة كما ذكرت سابقا وتَعتبر أي تعبير مخالف للسلطة خروجا على الشرع وسببا في إثارة الفتنه وزعزعة أمن واستقرار البلاد، وقد وجدت السعودية ضالتها في هذه الحركة بحيث أصبح أبرز العلماء المقربين من السلطة السعودية يجيزون لولي الأمر مصادرة الحريات والزج بالسجن كل من خالفهم ولو أنكر منكرا، كما حصل مع الداعية الإسلامي “سلمان العودة” بسبب تغريده له على توتير دعا فيها أن يؤالف الله بين قلوب حكام الخليج لما فيه خير لشعوبهم.

نفس الأمر بالنسبة لدولة مصر وليبيا حيث وقف التيار المدخلي إلى جانب الانقلابين الديكتاتوريين حفتر والسيسي وحصولهم على مناصب عليا داخل الدولة، وكذلك في اليمن الذي تحالف فيها المداخلة مع القوات الإماراتية ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي وقاموا بالخروج عن الحاكم على غرار ما يدعون، الشيء الذي اضطرا السلطات الجزائرية الى التحذير من هذه الحركة.

يمكن القول أن الجامية المدخلية ما هي إلا جهاز مصغر من الأجهزة المخابراتية التي تستخدمها الأنظمة لإغلاق أفواه الشعوب والسيطرة عليهم أما الشيخ ربيع المدخلي فأقل ما يقال عنه أنه رجل دين برتبة مخبر، وفي الختام إن التيار الوهابي أو المدخلي ككل لا يصلح أن يكون منهجا يقتدى به في الإصلاح ويجب على الحكومات محاربة أمثال هذه المناهج، كما أن الفرق التي تفرقت عن السلفية كانت سببا في الواقع الذي تعيشه الدول العربية من ظلم واستبداد وفقر، وكل هذا من أجل بعض المشايخ الذين باعوا دينهم للسلطان وأصدروا فتاوى لا تمت للدين بصلة ولا أساس لها من الصحة واستهدفت بذلك المستضعفين من المسلمين وغرس هذه الأفكار في عقولهم.

محمود برعوز
مدونات الجزيرة

 

إن جميع الآراء المعبر عنها هي آراء كتاب وناشرين أو تم نشرها استنادا إلى مصادر إعلامية، ولا تعكس بالضرورة الخط التحريري لمركز آوسرد الإعلامي

مواضيع متعلقة