لحية الثورة المضادة.. هكذا زرعت السعودية نسختها السلفية في ليبيا

img

استطاع هذا النوع المتميز من السلفيين التحالف مع مختلف الفصائل المتناحرة، وأصبح يجسد اليوم قوة أيديولوجية وأمنية رائدة في البلاد. بعد أن ظلوا لفترة طويلة متوارين عن الأنظار بعيدا عن أعين المراقبين، ها همْ اليوم يتصدرون المشهد ويشكلون إحدى القوى الرئيسية في ليبيا.

وإذا كان تهديد تنظيم الدولة والقاعدة يبدو فعلا تحت السيطرة في الوقت الحاضر، خاصة بعد استيلاء المشير خليفة حفتر في الآونة الأخيرة على مدينة درنة، فهناك تيار سلفي آخر يوطد قدميه في ليبيا، وسط الفصائل المختلفة، يتعلق الأمر بالتيار “المدخلي”، نسبة إلى الشيخ السعودي ربيع المدخلي، البالغ من العمر 85 عاما، المدير السابق لقسم دراسات السنة في جامعة المدينة المنورة.

العسكري الليبي خليفة حفتر (رويترز)

من السمات الرئيسة لهذا الاتجاه السلفي الخاص “طاعة الحاكم”، أيًّا كان. ويتميز المدخليون بطابعهم المناوئ لكل ما له علاقة بالمجال السياسي، وبمناهضتهم لجميع حركات الإسلام السياسي، مثل جماعة الإخوان المسلمين، ومحاربتهم الجهادية الثورية، مثل تنظيم الدولة والقاعدة، رغم تقاربهم مع هذه الجماعات من الناحية الأيديولوجية.

يد الرياض
هذا التموْقع من السلفية المدخلية جعلها الحليف الطبيعي للمشير خليفة حفتر، المدعوم من قِبل مصر والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية بشكل أكثر سرية. في عام 2016، أصدر ربيع المدخلي فتوى شجعت أتباعه على الانضمام إلى صفوف خليفة حفتر، ويوجد أتباع هذا التيار حاليا في طليعة الهجوم على درنة، لا سيما عن طريق لواء التوحيد، الذي يتخذ من بنغازي مقرا له. وقد انضم بعض المدخليين مباشرة إلى صفوف جيش التحرير الوطني (ALN)، مثل القائد أشرف الميار الحاسي.

تحوم حول المدخليين شكوك كبيرة في تلقيهم أموالا من المملكة العربية السعودية، ويعتمدون في توطيد أقدامهم على واحدة من أكبر شبكات المساجد والمدارس القرآنية في البلاد، التي يتخذونها قاعدة لنشر أطروحاتهم بهدوء مع توخي الحذر الشديد.

صرح مسؤول في مدينة مصراتة لمجلة “Jeune Afrique” قائلا: “إن هؤلاء المدخليين ليسوا جزءا من المجتمع الليبي نفسه، وكل منْ لا ينتمي فعلا للمجتمع لا يمكنه أن يرسخ أقدامه بشكل مستدام”، لكن عدم اهتمامهم الظاهري بالسلطة ومناعتهم المزعومة من الفساد، جعلهم طرفا ثمينا مواتيا جديرا بالتقدير في ليبيا.

في طرابلس، على سبيل المثال، أصبحت ميليشيا رادا -التي تضم في صفوفها قرابة 500 عضو- تفرض نفسها تدريجيا كقوة رئيسية للحفاظ على النظام… والأخلاق الحميدة، من خلال تعقب مهربي المخدرات، ولكن أيضا بملاحقتها مستهلكي الكحول وكل ما لا يتناسب مع رؤيتهم المتشددة للإسلام.

ميليشيات موالية للواء خليفة حفتر

في وسط البلاد على الساحل، ذهبت ميليشيات المدخليين، التي تضم كتيبة 604، إلى حد التحالف مع ميليشيات مصراتة لاقتلاع تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة سرت بين مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول 2016. وهي تبسط اليوم، بحكم الأمر الواقع، سيطرتها على عدة مواقع في المنطقة، معتمدة على وجه الخصوص على قبيلة الفرجاني.

كانوا من المعارضين للإنتفاضة ضد القذافي
التاريخ الليبي لهذه الجماعات السلفية القريبة من المملكة العربية السعودية ليس حديث العهد، وكان القذافي نفسه قبل سقوط نظامه يعتمد على ولاء هذه الجماعات، رغم تعارضها البين من الناحية الأيديولوجية مع “القائد” السابق. وفي التسعينيات من القرن الماضي، دعا قائد طرابلس السابق شيوخ السعودية لمواجهة النفوذ المتنامي لجماعة الإخوان المسلمين. في أكتوبر/تشرين الأول 2011، دعا ربيع المدخلي بنفسه إلى عدم دعم الانتفاضة الشعبية، عملا بمبدأ “خطورة إيقاظ الفتنة” دائما.

دون إثارة أي ضجة، تمكن المدخليون بكل هدوء من فرض أنفسهم إلى جانب مختلف الأحزاب التي تشكل المشهد السياسي في ليبيا، لدرجة بدأ تأثيرهم يقلق الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، لأنه حتى وإن كانت حربهم ضد الجماعات الجهادية أمرا مرحبا به، ومحل رضا هذه الجهات، فلا يمكن مع ذلك اعتبارهم بأي حال من الأحوال من أنصار أو داعمين للديمقراطية، التي ينظرون إليها على أنها استبدال حكم الله بسيادة الشعب.

في تقرير خاص بليبيا، كشفت منظمة العفو الدولية أن ميليشيات المدخليين “أحرقت الكتب واختطفت طلاب الجامعات الذين نظموا فعاليات يوم الأرض في حرمهم الجامعي في بنغازي”. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، قاموا بإغلاق مهرجان للكتاب الهزلي في طرابلس واتهموا المنظمين باستغلال “ضعف الإيمان والافتتان بالثقافات الأجنبية”.

الحرم الجامعي في بنغازي محترقا (رويترز)

وباعتمادهم على عدد من الإذاعات الوطنية الموالية لأطروحاتهم، يقوم المدخليون شيئا فشيئا بتكييف منهجهم المتشدد ليوافق السياق الليبي. في طرابلس، أصبحوا يهددون السلطات التقليدية للإسلام الليبي، مثل المفتي الصادق الغرياني، أحد أشرس معارضي القذافي قبل موت هذا الأخير، مع الإشارة إلى أن المفتي الأكبر مصنف ضمن القائمة السعودية للشخصيات المرتبطة بالإرهاب، والتي تدعي السعودية أنها ممولة من قطر.

ميدان

 

إن جميع الآراء المعبر عنها هي آراء كتاب وناشرين أو تم نشرها استنادا إلى مصادر إعلامية، ولا تعكس بالضرورة الخط التحريري لمركز آوسرد الإعلامي

مواضيع متعلقة